الأربعاء، 20 يناير، 2010

هُنَا خان يونس (1)





كنت ُ جالسا ً أمام شاشة ِ الحاسوب أطالع ُ كتابا ً إلكترونيا ً اسمه ُ ( مسافر على الرصيف ) للكاتب المصري ( محمود السعدني )
وفيه يعرض ُ الكاتب ُ ذكرياتِه مع باقة ٍ من ألمع ِ أدباء ِ ذلك العصر أمثال : عبد الرحمن الخميسي ، زكريا الحجاوي ، أنور العدواي ، نعمان عاشور .. وأخرين
وتناول َ كلا ً منهم ببعض من التفصيل والتحليل ِ وكيف كانت تجري أمور حياتهم ؛ يرثي ذلك َ ويحن ُّ إلى ذاك ويبكي حينا ً ويضحكُ حينا ً أخرى وأيضا ًأخذ ينقد ُ أعمالهم وإنتاجهم الأدبي وكيف لو أن الأمور سرت معهم كما يشتهون لصاروا أعظم َ من أعظم ِ أدباء ِ الغرب ..
وكذلك أخذ يصف ُ الأحوال السياسية المتقلبة التي اجتاحت تلك الحقبة من الزمن ومن قد رُمي به ِ خلف َ قضبان ِ السجون ومن قد نُفي ّ ومن ...ومن ...
وصدّقوني الكتاب في غاية ِ المتعة ؛ فكأنك َ وأنت تقرؤه تعايش ُ هؤلاء المبدعين وتجلس ُ معهم في مقهى ( عبد الله ) مع الشاعر العراقي ( عدنان الرواي ) ومع الشاعر الفلسطيني ( معين بسيسو ) ومع ( نزار قباني ) و ( صلاح عبد الصبور ) و غيرهم من الشخصيات المحببة والقريبة من القلب والنفس ..
ليس هذا فقط فأنت تشعر كذلك كأنك َ تسمع أحاديثهم وتناقشهم ويناقشونك وتنحاز ُ لصف ِّ هذا وتقف ُ ضدَّ ذاك
وتنزعجُ من الشيخ ( عبد الحميد قطامش ) وهو ( يزوّد ) المزاح َ ( شويّة ) مع أحد الجلوس ..
وربما تحب معي شخصية ( عبد الحميد حمدي ) الذي أطلق َ عليه ِ روّاد المقهى لقب ( الحريقة ) لأنه كانت يعمل في شركة مطافئ ، والذي يحاول عبثا ً أن يدلف َ إلى ساحة ِ الأدب فهو بالكاد يلق ِ على مسامع الجالسين قصة ً كتبها أو فصلا ً من رواية
فإن لم يلق َ استحسانا ً من البعض مزقها وهكذا ظل َّ بقية حياته ، يكتب ُ شيئا ً و يمزقه ُ دون أن يكمله؛ ولهذا أطلق َ عليه الشيخ الظريف ( قطامش ) لقب ( الأبتر ) ..
والكتاب ُ مليء ٌ بالأخبار والحوادث والاقاصيص ولو أنّي أسهبت ُ في الحديث ِ فلن أنتهي حتّى ترم َ أصابعي !
ولكن لا بأس من ذكر قصة ٍ أعجبتني بطلاها الشيخ ( قطامش ) و ( زكريا الحجاوي )
فبينما كان ( الحجاوي) جالسا ً في المقهى وحوله ُ بعض الشبان الذين استهواهم الأدب ُ ، حتّى دخل الشيخ ( قطامش ) وقام
( الحجاوي ) له ُ بكل ّ احترام ٍ وتبجيل ليحييه ِ ويسلّم عليه لكن الشيخ ( قطامش ) لم يُعره ُ أدنى اهتمام وواصل طريقه ُ إلى كرسي ٍ في المقهى ومالبث أن قعد َ عليه ِ حتى هب ّ واقفا ً يصيح ُ في وجه ِ ( الحجاوي )
_ ألن تكف َّ ياحجاوي عن هذا .. أيها المنافق ُ .. أيها الأرعن ُ الخسيس !
وأخذ في تلفيق ِ التهم ِ له وشتمه
ولم تكن تلك إلا إحدى ( مزحات ) الشيخ ( قطامش )
و ( قطامش ) هذا قد تخرج من الأزهر ويعمل محاميا ً شرعيا ً
وقد شاءت الظروف أن يستقل ( الحجاوي ) حافلة ً وإذ يُفاجئ بأن الشيخ ( قطامش ) جالس ٌ فيها وحوله من شيوخ الأزهر وأساتذته عددٌ لا بأس به ..
وتقدّم ( زكريا الحجاوي ) إلى أحد هؤلاء المشايخ وسأله : هل أنت الشيخ ( عبد الحمدي قطامش ) ؟
فأشار الشيخ ُ إلى عبد الحميد وأخبره بأنه هو هذا من يسأل عنه
وانقلبت سحنة ُ الحجاوي وأمسك بتلابيب الشيخ قطامش وصاح به :
_ أنت عبد الحميد قطامش .. أيها النصّاب الدجّال .. تأتيك َ امرأتي لترفع دعوى طلاق فتغازلها وتغامزها ..!
ووقف َ قطامش مبهوتا ُ .. فلم تكن تلك َ في صالحه ِ أبدا ً خصوصا ً في حضرة ِ أصحابه ِ وشيوخه ..
كان لابد ّ للحجاوي أن ينتقم َ لنفسه ِ وكرامته
وعلى إثر هذا الموقف لم يخاطب لسان ( قطامش ) لسان ( الحجاوي ) لثلاث ِ سنوات ٍ كاملة ..
هذا ما كان من أمر ِ الكتاب ..
وكما أخبرت ُ في بداية ِ الموضوع بأني كنت جالسا ً أقرأ ُ فيه
وفي غمرة ِ تتبعي للسطور المحشّوة بالكلمات إذ بهاتفي النقّال يرن ،
_ ألوو .. أيوااا ..أهلين فتحي .. كيفك ؟
_ أهلا ً ياعم صدقي .. أنا كويس .. انت كيف ؟
_ مااشي الحال .. نحمد الله
_ صدقي .. إيش بدي أقلك ، صاحبك طالبك في خدمة ، وبتمنى ما تكسفني ..
_ عيب يامان .. مش بيناتنا هالحكي ، انت تؤمر .. انت بس ادلل .. ( هات ِ ما عندك َ ) ؟
_ اليوم أجتني بنت ع المحل ، شو بنت قول ملاك .. قول غزال .. وشكلي حبيتها و ..
( قطعته بضيق )
_ اسمع .. المواضيع هادي ما بتنفع على الجوال .. بس أشوفك بنحكي
_ طيب .. مااشي كلامك .. أنا شويّة وبكون عندك ، ماشي ؟
_ مااشي يامان ... ناطرك .
تووت ..تووووت .توووووت ؛ ( أقفلت ُ الخط )
وكأنه ُ كان يخاطبني من وراء ِ باب ِ البيت فسرعان َ ماارتفع َ رنين ُ الجرس !
وصدق حدسي ، كان هو !
فتحت ُ الباب َ بعينين ِ نصف مغلقتين وقلت ُ له أن ينتظر َ ريثما أنتهي من تبديل ملابسي ..
قطعنا الشارع َ القصير لنجلس َ بعدها على مصطبة ٍ صغيرة تظللها أغصان ُ شجرة ٍ من أشجار الزينة ..
وبدأتُ الكلام :
_ آه ياسيدي .. احكيلي اللي عندك
_ تعرف يا صدقي .. بنت ما شفت زيها أجت عندي ع المحل لتشتري بودرة تصدق انه كل اللي في البلد ( منطقة تجارية ) التموا عند باب المحل عشان يشوفوها !
_ أوووف لهالدرجة !!
_ وأكتر يازلمة ...
_ وايش كانت لا بسة ؟؟
_ بنطلون جينز من اللي قلبك يحبه ، وبلوزة بودي انسى .. وحاطة شيلة على شعرها انهياااااااااار !
_ حلووو ..حلووو ، نخش في المهم ايش كانت لابسة برجليها .. دخيلك ماتدمرني وتحكيلي انها لابسة كوتشة بيضاا!!
_ لااا للاسف .. بس كانت لابسة شبشب غريب ( حلوة غريب هادي .. صح ؟) !
_ اممممم .. وماله وماله بس انت متأكد انه هيا زي ما انت بتحكي بالزبط !
_ بالزبط .. ولك ليش اكزب عليك اصلاً
_ طيب كمل حكايتك .. لنشوف وين بدها توصل معك .
_ الحين هيا طلبت صنف بودرة مقطوع من عنا واعتزرت منها وقلت الها ممكن اسال الك كم تاجر عنه وسالتني انه هيا كيف بدها تعرف انه لقيت هادا النوع او لا .. فطلبت منها رقم جوالها واعطتني اياه !
شكلي حبيتها يا صاحبي ...انا هيك حاسس
_ صوتها كيف ؟
_ اااااااااخ على صوتهاا .. بلبل حيران ياعم صدقي
_ دخيلك يا فتحي لازم اشوفهااا وبعدين بنقرر شو بدنا نعمل ..
_ هيا حكتلي انه يمكن تمر عليا السبت الجاي
_ حأبات عندك .. من النجمة حتلاقيني في المحل
_ طيب ماشي انا الحين بدي انزل ع المحل وبشوفك الليلة عند عبد اللطيف اتفقناا ؟
_ اتفقنا يامااان ... طريق السلاامة بس اتزكر يا صاحبي المثل بيقول ( ياميت ندامة على اللي حب ولا طلش ِ )
وقبل أن أكمل دعوني أشرح لكم ماقد يبدو من غريب الألفاظ في المثل ..
المثل في الأصل مصري
ميت : تعني الرقم الرقم مائة
طلش : لم يطل ، بمعنى آخر لم ينل !
وفي المساء اجتمعنا أنا وفتحي وعبد اللطيف ..
العبنا شوية بلايستيشن ( كورة ) وطبعا ً وكالعادة دائماً أنا بهدلت الجميع !
وبعد كدة صار موعد مسلسل الجماهير العريضة .. هوا بعينه ..أيوااااان اللي فيه العقيد ابو شهاب ..باب الحارة
بس للاسف كان في بالجو ( زنّانة ) شوشت على الارسال فلم نتمكن من مشاهدة المسلسل
والزنانة هذه طائرة استكشاف اسرائيلية أحد أضرارها أنه بإمكانها التشويش على إرسال الأقمار الفضائية
فيصبح ُ جهاز ( الدِّش ) عندك عديم الفائدة
مالبيد حيلة ، أطفأنا التلفاز وجلسنا ساهمين وفجأة ً سألت ُ فتحي :
_ فتحي .. بتقدر تتصل على البنت اللي حكيتلي عنها اليوم صح ؟
_ اه بقدر .. بس شو بدي أحكيلهااا ؟ وبأي حجة ؟
_ اي الغشامة اللي انت فيها ياابني .. بخصوص البوردة يعني .. دبرها انت بمعرفتك ودورهاا
وكنت ُ قد وعيت ُ عبد اللطيف بملابسات القضية ونقلت ُ له وصف الفتاة كما حدّثني فتحي تماما ً بل ويزيد !
ووضع فتحي هاتفه النقال على أذنيه .. لكن مهلا ً قلت ُ له بخبث :
_ استنى شوية ... استنى ياروحي ..افتح ال ( سبيكر ) .. بدنا نسمع صوتها وإلا لشو كل هالغلبة والتأليف !
بدا التردد على وجهه لكني لمّحت ُ له بأني لابد لي أن أعاين َ البضاعة كما يجب وإلا فلن يمكنني مساعدته ..
فاستجاب لمطلبي وترجاني أن لا أصدر َ أي صوت أو حتى مجرد الهمس !
و ..
تووووت .. تووووووت..توووووووت

_ مرحبا ..

...
لا داعي لأن أقسم َ بأني وعبد اللطيف قد وقعنا الأرض لفرط ِ ما هو الصوت ساحر ٌ وآسر
يا ألطاف الله .. مالذي يحدث !!
لكم أن تعلموا فقط بأن عبد اللطيف أخرج من جيبه هاتفه النقال هو الآخر وضرب بأصابعه رقم محبوبته
وما إن ردت عليه حتى قال لها بنبرة ٍ ذائبة :
_ فريدة .. أيوااا انا
لو سمحت ِ بتمنى تنسي انه كان في حياتك شخص اسمه عبد اللطيف !
تووت
تووووووت
تووووووووووووووت ..

هنا خان يونس ( ستة وعشرين تحت الصفر فاصلة سبعة إف إم )

0 التعليقات:

إرسال تعليق